الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
495
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أبلغ وأحسن ! إلا أن القرآن الكريم يجيب هؤلاء بجواب منطقي ومستدل تماما ، وفي الوقت نفسه قاطع ومفحم ، فيقول : كأن هؤلاء قد نسوا تاريخ البشر ، ولم ينظروا كم دمرنا من الأقوام السابقين عند تمردهم وعصيانهم : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ( 1 ) فهل استطاعت أموالهم وثروتهم ، ومجالسهم الفاسقة ، وملابسهم الفاخرة ، وصورهم الجميلة أن تمنع العذاب الإلهي وتقف أمامه ؟ وإذا كانت هذه الأمور دليلا على شخصيتهم ومنزلتهم عند الله ، فلماذا ابتلوا بهذا المصير المشؤوم ؟ إن زخارف الدنيا وبهارجها متزلزلة إلى حد أنها تتلاشي وتزول بمجرد أن يهب عليها أدنى نسيم هادئ . " القرن " - كما قلنا سابقا في ما مر في ذيل الآية ( 6 ) من سورة الأنعام - تعني عادة الزمان الطويل ، لكن لما كانت قد أخذت من مادة الاقتران ، أي الإقتراب ، فإنها تقال أيضا للقوم والأناس المجتمعين في زمان واحد . ثم تحذرهم تحذيرا آخر ، بأن لا تظنوا أيها الظالمون الكافرون أن مالكم وثروتكم هذه رحمة ، بل كثيرا ما تكون دليلا على العذاب الإلهي : قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا . حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة أي إما العذاب في هذه الدنيا ، وإما عذاب الآخرة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا . في الحقيقة ، إن مثل هؤلاء الأفراد الذين لا يمكن هدايتهم ( والملاحظ أن القران يقول : من كان في الضلالة وهو إشارة إلى الاستمرار في الضلال ) من
--> 1 - ( الأثاث ) بمعنى المتاع وزينة الدنيا ، و ( رئي ) بمعنى الهيئة والمنظر .